ابن أبي أصيبعة
91
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
ومن كلام الشيخ الرئيس ابن سينا ، وصية أوصى بها بعض أصدقائه ، وهو " أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي " ، قال : - ليكن اللّه ، تعالى ، أول فكر أوله وآخره ، وباطن كل اعتبار وظاهره ، ولتكن عين نفسك « 1 » مكحولة بالنظر إليه ، وقدمها موقوفة على المثول بين يديه مسافرا بعقله في الملكوت الأعلى ، وما فيه من آيات ربك الكبرى ، وإذا انحط إلى قراه فلينزه اللّه ، تعالى ، في آثاره ، فإنه باطن ظاهر ، تجلى لكل شئ بكل شئ . ففي كل شئ له آية * تدل على أنه واحد فإذا صارت هذه الحال لك ملكة ، انطبع فيها نقش « 2 » الملكوت ، وتجلى له قدس اللاهوت ، فألفت الأنس الأعلى ، وذقت اللذة القصوى ، وأخذت عن نفسك بمن هو بها « 3 » أولى . وفاضت عليك السكينة وحقت لك الطمأنينة ، واطلعت على العلم الأدنى ، اطلاع راحم لأهله ، مستوهن « 4 » لحيله ، مستخف لثقله ، مستحسن به لعقله ، مستضل لطرقه ، وتذكر نفسه وهي بها لهجة وببهجتها بهجة ، فتعجب منها ومنهم تعجبهم منه ، وقد ودعها وكان معها كأن ليس معها ، ولتعلم أن أفضل الحركات الصلاة ، وأمثل السكنات الصيام ، وأنفع البر الصدقة ، وأزكى البر الاحتمال ، وأبطل السعي « 5 » المرآة ، ولن تخلص النفس عن الدرن ما التفتت إلى قيل وقال ، ومناقشة وجدال ، وانفعلت بحال من الأحوال ، وخير العمل ما صدر عن خالص نية ، وخير النية مما ينفرج عن جناب علم .
--> ( 1 ) في ب : نفسه . ( 2 ) في أ : نفس . ( 3 ) في ب : هواها . ( 4 ) في أ ، ج : مستويين . ( 5 ) في طبعة مولر : السهى .